توفيق أبو علم
24
السيدة نفيسة رضي الله عنها
العلوم والمعارف الإنسانية والتجريبية ، وتتدافع عندهم الناس ، فكثر تلاميذهم والراوون عنهم والآخذون منهم ، حتّى صار هؤلاء التلاميذ فيما بعد بُناة الحضارة الاسلامية ورعاتها . وقد ازدادت حركة التوعية والتدريس والعطاء الفكري والثقافي التي التزمها علماء أهل البيت عليهم السلام نمواً واتساعاً بعد واقعة كربلاء عام 61 للهجرة ، حينما تصدّى الإمام زينالعابدين إلى توعية الأمة وتثقيفها ، وصعّد من حركته ونشاطه في سبيل تأسيس مدرسة تنشر النور والمعارف الاسلامية التي كادت تُدرس ، ومواصلة تعليم الناس أصول الإسلام وسقايتهم لقيمه ومبادئه الكريمة ، فخرّج علماء مبرزين قد شدّوا رحالهم إليه من شتّى بقاع العالم الاسلامي المختلفة ، أمثال : أبان بن تغلب الكوفي ، وإسحاق بن عبداللَّه المدني ، وإسرائيل بن غياث المكي ، وإسحاق بن الفضل الشامي ، وأيوب بن بكر الموصلي ، وأيوببن تميمة البصري ، وبشر بن عقبة المدائني ، وجعفر بن محمد الحضرمي ، والحسن بن السري الكرخي البغدادي ، وداود بن أبي هند السرخسي ، وعمرو بن خالد الواسطي ، ويحيى بن أبي العلاء الرازي ، وغيرهم . ثمّ جاء من بعده ولديه محمد الباقر عليه السلام ، وجعفر بن محمد الصادق عليه السلام فأوسعا من طاقة المدرسة السجّادية لتصبح جامعة كبيرة تقوم على أسس معيّنة وأقسام مختلفة منظّمة ، فكان هذا عاملًا مساعداً على التحاق أعداد غفيرة أخرى إليها من رواد العلم والمعرفة ، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وانتماءاتهم القومية والعقائدية ، حتّى بلغ عددهم إلى أربعة آلاف شخص ! منهم من أصبح فيما بعد من كبار العلماء والفقهاء والمحدّثين والمتكلّمين ، بل صار منهم أئمة للمذاهب الفقهية . يقول ابن حجر : « جعفر الصادق نقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الأئمة الأكابر ، كيحيى بن سعيد ، وابن جريج ، ومالك بن أنس ، والسفيانيين ، وأبي حنيفة ، وشعبة ، وأيوب السجستاني » « 1 » . وبسبب هذا التوسّع ، وازدياد عدد المتعلّمين ، وشدّة رغبة الناس في التوجّه إليها ، فقد فتحت الجامعة في كثير من الأقاليم فروعاً لها ، ولعلّ أعظمها في الكوفة ، حيث التحق بهذا
--> ( 1 ) الصواعق المحرقة : ص 201 ، فصل 3 ( الأحاديث الواردة في بعض أهل البيت ) .